الزخرفة اليمنية، إحدى روائع فن العمارة

الرئيسية  /  عن اليمن

الزخرفة اليمنية، إحدى روائع فن العمارة
الساعة : 19:32
4 مارس 2022

في اليمن مجموعة من المدن والحصون التاريخية التي جعلتها تتربع على قائمة التراث الإنساني العالمي. هذه المدن والحصون مرصعة بنقوش وزخرفات ملونة بمقاييس ومقادير دقيقة أذهلت العالم.

 

يجسد فن الزخرفة أو النقش اليمني إرثاً حضارياً يعكس عراقة الشعب اليمني. وتتوارث الأجيال اليمنية المتعاقبة هذا الفن الذي يترجم المشاعر والانفعالات النفسية والروحية عبر أنامل اصطفيت لتنقش وتنحت الزخارف الجميلة، إما على الأبواب أو الياجور المحرق أو على عقود الجص (الجبس) وعقود الحجر والطين في المساجد والبيوت والأضرحة والمعابد التي يعود عمر بعضها إلى ما قبل الإسلام. وتزين الزخارف قصر شبوة في جنوب شرق اليمن، الذي يناهز عمره 4500 عام. وتزيّن أيضاً قصور ومعابد مملكتي معين وحمير اللتين قامتا في جنوب اليمن.

 

زخرفة المعالم الدينية

قال الدكتور محمد العروسي، أستاذ علوم الآثار في جامعة صنعاء، لرصيف22: "في العصر الاسلإمي تنقسم الزخارف في اليمن قسمين: الأول، زخارف المساجد وهي خالية من رسوم الكائنات الحية لأن الإسلام نهى عن ذلك، وهو ما دفع بالفنان المسلم إلى صب موهبته في تمثيل عناصر زخرفية نباتية هي عبارة عن أوراق وشتول وزهور مختلفة وعناقيد العنب ومراوح وأنصاف مراوح نخيلية، وفي عناصر زخرفية هندسية تتشكل بأشكال مثلثة ونجمية مختلفة. ويظهر هذان العنصران الزخرفيان في أقدم الجوامع والمساجد اليمنية كـ"الجامع الكبير" في العاصمة صنعاء، والذي يعود إلى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني للهجرة. وهناك العنصر الزخرفي الثالث، وهو الزخرفة الكتابية وقوامها أشرطة كتابية بالخط الكوفي وبعض النقوش لخطي النسخ والثلث، وهذه الأمثلة تتكرر في عدة مساجد، منها "جامع شبام" في مديرية شبام شمال اليمن، وجامع الملكة الحرة الصبيحي، وجامع أسماء في مديرية خولان شمال اليمن، ومسجد الأعور في محافظة ريمة شمال غرب اليمن".

 

وأضاف العروسي: "أما النوع الثاني من الزخارف فهو الزخارف الجصية (الجبسية). ينتشر هذا النوع في الكثير من المساجد وخصوصاً في القباب الأضرحية كتلك الموجودة في "جامع الهادي" في محافظة صعدة و"الجامع الكبير" في مدينة السلام وجامع المتوكل والمشهور بقبته، "قبة المتوكل"، في العاصمة صنعاء. وهذا النوع من الزخرفة كثيراً ما يؤطر واجهة المحراب وبواطن القباب، كما يزين واجهات الأروقة وجدران قاعات الصلاة في محافظتي زبيد والمنصورية والمحافظات التهامية، بالإضافة إلى أضرحة محافظة حضرموت، وتحديداً في مدن عينات وسيئون وتريم وغيرها من المدن الأثرية".

 

الزخرفة في العمارة اليمنية
تنتشر الزخارف في القصور وبيوت الوجهاء. علماً أن هذا الفن تدرّج حتى شمل بيوت وعمارات اليمنيين. قال العروسي: "للقصور والمنازل اليمنية زخارف تزين واجهاتها الخارجية والداخلية، ومن ضمنها ممرات السلالم وغرف المعيشة وغرف استقبال الضيوف. كذلك نجدها في محافطات صنعاء وزبيد وحضرموت وشبوة وغيرها من بقاع اليمن شمالاً وجنوباً لتشكل لوحات فنية رائعة. وقد توجت الزخارف الكثير من العمارات الدينية كمدارس العلوم الإسلامية مثل "مدرسة الميلين" (الإسكندرية حالياً) و"المدرسة الفرحانية" و"المدرسة الفاتنية" وأيضاً "المدرسة الأشرفية" و"المعتبية" في محافظة تعز جنوب غرب اليمن و"المدرسة العامرية" في مدينة رداع. وتتزيّن بواطن القباب في هذه المدارس وجدران قاعات الصلاة فيها برسوم ونقوش فنية ملوّنة. وتقدم لنا "قبة الزوم" في مدينة جبلة ومثيلتها في مديرية حبيش نموذجين رائعين لزخرفة القباب في اليمن".

 

القمريات
القمريات اليمنية هي فن خاص يضيف إلى نوافذ البيوت اليمنية ذوق الأصالة بالاعتماد على مكونات بسيطة من الزجاج الملون والجص (الجبس) والريشة التي يستخدمها الفنان. وللقمريات تشكيلات عدة، منها القديم كـ"الرماني" و"الياقوتي" و"الزنجيري"، ومنها الحديث. بالإضافة إلى ما تحتله القمرية من بعد فني فإن لها كذلك بعداً دينياً، إذ يعتقد الكثير من اليمنيين "أن البيت بلا قمرية هو بيت بلا بركة".

وشرح الزخرفي محمد مسعد طريقة إنتاج القمرية: "في البداية نخلط مادة الجص (الجبس) بالماء ثم نصبّها في قالب كبير كقطعة واحدة ونترك المزيج حتى يتماسك قبل أن نطبع عليه نقشاً جاهزاً لأزهار أو نباتات أو رسوم زخرفية تم تجهيزها مسبقاً من خلال الرسم على الورق المقوى. ثم بالسكين ننحت النقشة لإظهار معالمها بوضوح أكبر ونتركها يومين حتى تجف ويتصلب قوامها. حينذاك نضع قطع الزجاج الملون والمقصوص بأشكال هندسية في الجهة المقابلة للجهة التي تم النقش عليها لكي يظهر الزجاج في أساس القمرية ويعكس الأضواء الساقطة عليه بشكل أكبر وأجمل".

 

ضياع فن الزخرفة اليمني

ويرى مختصون أن السبب في ضياع بعض أنواع الزخرفة اليمنية وشحّ بعضها الآخر، يعود إلى عدم وجود مراكز أو معاهد تتبناها الدولة لتعليم فنون الزخرفة المختلفة. علماً أن الشباب الذين يتخذون من فن الزخرفة مهنة، باتوا يعتمدون على الزخارف الصينية الرخيصة والابتعاد عن تصاميم الزخارف اليمنية الأصيلة.

وقال الزخرفي محمد الوصابي: "الفن الزخرفي الحقيقي الذي نصقله بأناملنا هو زخرفة يدوية أصابها الكساد وهُمّشت لسببين رئيسيين أولهما اجتياح الزخارف الصينية المطبوعة والجاهزة لأسواق الزخرفة اليمنية اليدوية، نظراً لأن الزخرفي يحتاج من أجل صناعة الزخارف إلى ساعات من العمل وأحياناً إلى أيام، بينما الزخارف الصينية الجاهزة لا تحتاج إلا إلى دقائق لطبعها، وثانيهما يعود إلى أن أسعار الزخارف الصينية زهيدة مقارنة بأسعار الزخارف اليمنية اليدوية فالأولى لا تتعدى تكلفتها 4$ للمتر الواحد أما اليمنية فتصل تكلفتها إلى35$ للمتر الواحد.

"الزخرفة اليمنية لم تنقرض إنما انقرض أسلوب عملها"، هذا هو رأي الدكتور هشام العامري، أستاذ الخط العربي وفن الزخرفة في جامعة تعز. : "آثر المزخرفون اليمنيون استخدام زخارف ليست من الصنع المحلي على حساب الطابع الزخرفي اليمني الذي يستند إلى نمط عملي خاص مبني على الثقافة اليمنية الأصيلة. الزخرفات المستوردة تخلو من عبق الثقافات التي امتزجت على أرض اليمن منذ عهد الدولة الرسولية حتى الآن. فمثلاً، تكاد الزخرفة الخشبية تنقرض لأن العاملين في هذا الفن ابتعدوا عن استخدام الأسلوب الزخرفي الذي يحاكي النباتات اليمنية. وهذا هو حال الزخرفة على الكيزان ودوحات الماء والإزار اليمني (ثوب يحيط بالنصف الأسفل من الجسم)، فهذه كلها انقرضت تقريباً في بعض المناطق اليمنية".